في الحديث الشريف، كان النبي ﷺ يستعيذ بكلمات تهز قلب كل من تأملها:
> «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ».
>
فما هي فتنة الممات التي استعاذ منها رسول الله ﷺ، ولم جعلها في سياق أعظم الفتن التي قد يمر بها الإنسان؟
عندما نرجع إلى شروح أهل العلم، نجد أن المقصود أعمق من مجرد سكرات الموت وآلام الاحتضار.
فقد بيّن الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أن فتنة الممات تشمل مرحلتين عظيمتين؛ الأولى: هي الفتنة التي تقع عند خروج الروح، وهي اللحظات الأخيرة التي يُختم فيها للإنسان عمله، والثانية: هي ما يكون بعد الموت مباشرة، وأعظمها سؤال الملكين في القبر: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟
ولعل أكثر ما يبعث الرهبة في هذا المعنى أن الإسلام لا يصور الموت بوصفه نهاية رحلة، بل بداية أول امتحان من امتحانات الآخرة. ولهذا كان السلف يخافون سوء الخاتمة أكثر مما يخافون الموت نفسه، لأن النبي ﷺ قال: «إنما الأعمال بالخواتيم».
وإذا تأملنا المرحلة الأولى من فتنة الممات، أي لحظة الاحتضار، وجدنا أن العلماء ذكروا أن الشيطان يحرص فيها أشد الحرص على إضلال الإنسان؛ فهي آخر فرصة يملكها، وآخر معركة يخوضها مع ابن آدم.
فإذا كان الشيطان لم يترك الإنسان طوال حياته، فمن الطبيعي أن تكون محاولته الأخيرة هي الأشد، لأنها الفرصة التي لا تعقبها فرصة. ولهذا كان المسلمون يحرصون على تلقين المحتضر الشهادة، ويدعون الله له بالثبات، لأن تلك اللحظات قد تكون أخطر لحظات العمر كله.
مشاهدات معاصرة حول تجارب الاقتراب من الموت (NDEs)
مؤخرًا، وأنا أتصفح منصة "يوتيوب"، شاهدت عددًا من المقاطع التي يروي فيها أصحابها ما يُعرف بـ "تجارب الاقتراب من الموت" (Near-Death Experiences)، أو اختصارًا NDEs.
وغالبًا ما تكون هذه التجارب لأشخاص توقف قلبهم للحظات بسبب سكتة قلبية، أو حادث، أو غرق، أو مضاعفات أثناء عملية جراحية، ثم عادوا إلى الحياة بعد نجاح الإنعاش الطبي. كما أن هناك من يحاول محاكاة هذه التجارب عبر ممارسات روحية أو ما يُسمى بـ "الإسقاط النجمي"، أو تعاطي مواد مهلوسة.
اللافت أن كثيرًا من هؤلاء، على اختلاف بلدانهم وأديانهم وثقافاتهم، يصفون مشاهد متشابهة بصورة تثير الانتباه؛ فيتحدثون عن شعورهم بأنهم غادروا أجسادهم، ورأوا الأطباء أو المحيطين بهم من الأعلى، ثم يصفون المرور عبر نفق مظلم ينتهي بضوء ساطع، وشعورًا بالسكينة المطلقة، واختفاء الألم تمامًا، بل ولقاء أقارب متوفين أو كائنات نورانية يصفونها بأنها مفعمة بالحب والسلام.
لكن الذي أثار تساؤلي حقًا هو الرسائل التي يقول بعض أصحاب هذه التجارب إنهم تلقوها.
ففي عدد كبير من المقاطع، يروي أصحابها أن كائنات نورانية أخبرتهم بأن الله لا يحاسب الناس على عقائدهم أو أديانهم، وإنما على أخلاقهم فقط، وأن جميع الأديان تؤدي في النهاية إلى المصير نفسه! بل شاهدت فتاة تروي أنها عندما كانت بين الحياة والموت، أخبرها من رأته في تلك التجربة عن شاب لم يكن مسلمًا، لكنه دخل الجنة فقط لأنه كان بارًا بجدته ويعتني بها.
عندما سمعت هذه الروايات، تذكرت مباشرة حديث فتنة الممات.
إذا كان الإسلام يخبرنا بأن الشيطان يحرص على إضلال الإنسان في آخر لحظات حياته، فما الذي يمكن أن يكون أنسب من أن يُلبِّس عليه دينه نفسه؟ وما الرسالة التي يمكن أن تكون أخطر على المؤمن من أن يُقال له وهو في أضعف حالاته: إن العقيدة لا تهم، وإن التوحيد ليس شرطًا، و إن جميع الطرق تؤدي إلى الله؟
هذه الفكرة أعادت إلى ذهني مباشرة موقفًا عشته مع والدتي -رحمها الله وغفر لها- قبل وفاتها بيوم واحد، وهو موقف لم أستطع أن أفسره يومها، ولا أظن أنني سأستطيع نسيانه ما حييت.
طوال سنوات مرضها، كانت تدخل في غيبوبات متكررة، وفي كل مرة تستيقظ، كانت تحكي لنا قصة، أو تصف حلمًا رأته أثناء غيابها عن الوعي. وكنت، بحكم ميلي إلى التفسير المادي، أرى أن ما تراه قد يكون نتيجة اضطراب في وظائف الدماغ، أو تأثير المرض، أو نقص الأكسجين، أو تغيرات كيميائية تحدث أثناء الغيبوبة. كانت تلك التفسيرات تبدو لي منطقية، وربما كنت أتشبث بها لأنها كانت تمنحني شعورًا بأن كل شيء يمكن فهمه وتفسيره علميًا.
لكن ما حدث ذلك اليوم، انتزعني من كل تلك التفسيرات المادية.
كان ذلك قبل وفاة أمي بيوم واحد فقط، كنا وحدنا في المنزل؛ أنا وهي. كانت مستلقية على سريرها، بينما كنت أتنقل بين الغرف لإنجاز بعض أعمال المنزل، وأدخل عليها بين الحين والآخر لأطمئن عليها.
دخلت غرفتها، فوجدتها نائمة. ناديتها: "أمي..." لم تجب. اقتربت منها، وهززتها برفق، ثم ناديتها مرة أخرى.. لا شيء. انحنيت لأتفقد تنفسها، فرأيت بطنها يرتفع وينخفض بصعوبة شديدة. كانت لا تزال تتنفس، لكنها كانت غائبة تمامًا عن الوعي.
وفي تلك اللحظة، تذكرت عبارة كانت جدتي ترددها دائمًا: "إذا اقترب أجل الإنسان تبدأ قدماه بالبرودة." أمسكت بقدميها... كانتا باردتين جدًا. لا أكن أعلم إن كان ذلك علامة طبيّة، لكنني حينها شعرت بخوف لم أعرفه من قبل، وتشوشت تمامًا؛ لم أكن أعرف ماذا أفعل، ولا بمن أتصل؛ ففي كل مرة كانت تغيب فيها عن الوعي داخل المستشفى، كان الأطباء والممرضون يتولون كل شيء، أما هذه المرة، فلم يكن في البيت أحد غيري.
اتصلت بقريبة لنا وطلبت منها أن تأتي بسرعة، ثم شغلت القرآن في الغرفة، وجلست بجوار أمي، أناديها بين حين وآخر، وأنتظر.
وفجأة... فتحت عينيها.
كانت تحتاج إلى بعض الوقت حتى تستعيد وعيها، وكانت كلماتها تخرج بصعوبة وبطء شديدين. ثم أمسكت بيدي فجأة، وقالت: "لا تذهبي... ابقي هنا... لأنهم هنا."
ارتبكت، وسألتها مباشرة: "هم؟ من؟"
قالت: "يريدون مني أن أخرج من الإسلام."
لم أسألها كيف رأتهم، ولا من كانوا، ولا كيف ظهروا لها؛ لم يكن فضولي يومها أقوى من خوفي. كل ما كنت أفكر فيه هو أن تبقى معي، وألا تغيب مرة أخرى.
ثم بدأت تحكي لي ما استطاعت؛ قالت إن أحدهم جاءها، وكان معه أقارب لها متوفون، ثم وضع صليبًا على صدرها، وأبعد كأس الماء الذي كان أمامها، وقال لها: "اعتنقي المسيحية حتى أعطيك الماء."
كانت أمي عطشى، لكنها قالت إنها رفضت. ثم نظرت إليّ، وقالت: "ابقي بجانبي... أعطيني الماء... ولقنيني الشهادة."
كان هذا كل ما استطاعت أن تقوله، وفي اليوم التالي... رحلت أمي إلى رحمة الله.
ميزان العقيدة ومكائد الشيطان
ظل ذلك الموقف عالقًا في ذهني طيلة هذه الفترة. والآن، بعد مشاهدة شهادات من خضعوا لتلك التجارب (NDEs)، لم أستطع أن أمنع نفسي من طرح سؤال: هل يمكن أن يكون بعض ما يرويه الناس اليوم امتدادًا لما سماه النبي ﷺ فتنة الممات؟
لا أقول ذلك على سبيل الجزم؛ فالغيب لا يُبنى على الظنون، ولا يجوز لمسلم أن يقطع في أمر لم يأت فيه نص شرعي صريح. لكنني أقول إن ثمة تشابهًا يستحق التأمل؛ فالشيطان ليس من مصلحته أن يأتي المؤمن في آخر لحظاته فيدعوه إلى معصية عابرة، بل غايته الكبرى أن يفسد عليه أصل الدين كله. وقد ذكر أهل العلم أن المحتضر قد يتعرض لوساوس عظيمة في تلك اللحظات، ولذلك كانوا يحثون على الإكثر من سؤال الله الثبات، ويخافون من سوء الخاتمة، لا لضعف يقينهم، وإنما لعظم ذلك الامتحان.
فعندما نتأمل الرسائل التي تتكرر في كثير من روايات الـ NDE، نجد أن أخطر ما فيها ليس الحديث عن الأنفاق أو الأضواء، بل الدعوة إلى إسقاط العقيدة من الحساب، وتصوير الإيمان والتوحيد على أنهما أمران غير مهمين، وأن الأخلاق وحدها تكفي للنجاة.
ربما يأتي الشيطان إلى الإنسان المؤمن بمحاولة صريحة لصرفه عن عقيدته ومساومته في أشد لحظاته ضعفًا، وربما يأتي لغيره بطريقة أكثر هدوءًا ليزين له أفكارًا تبدو مليئة بالسلام والمحبة، لكنها تفرغ العقيدة من معناها، وتوحي بأن الإيمان والتوحيد لا قيمة لهما دام الإنسان صاحب أخلاق.
وهنا تحديدًا وجدت طرحًا للدكتور هيثم طلعت ناقش فيه هذه الظاهرة من منظور عقدي، ولفت انتباهي إلى نقطة مهمة؛ وهي أن أخطر ما في هذه الروايات ليس الجانب الحسي منها، وإنما المضامين الفكرية التي تتكرر فيها، لأنها تصادم أصول الإسلام، وتنسجم مع الغاية التي أخبر القرآن أن إبليس يسعى إليها، وهي إضلال الإنسان عن صراط الله المستقيم.
وعندما تتكرر الرسالة نفسها: "لا يهم ما تؤمن به، المهم أن تكون إنسانًا صالحًا"، فإن من حق المسلم أن يتوقف، وأن يزن هذه الدعوى بميزان الدين. فالإسلام لم يجعل الأخلاق بديلًا عن العقيدة، كما لم يجعل العقيدة مبررًا لترك الأخلاق، بل جمع بين الأمرين؛ فالتوحيد هو أصل الدين، والعمل الصالح ثمرة ذلك الأصل، ولا يقوم أحدهما مقام الآخر.
في النهاية... لا أملك أن أجزم بحقيقة كل ما يرويه أصحاب تجارب الاقتراب من الموت وما عاشوه في لا وعيهم، ولا أزعم أن كل تجربة منها هي فتنة ممات أو تلبيس من الشيطان.
لكنني بعد ما عشته مع أمي، وبعد قراءتي للنصوص الشرعية، وتأملي في كثير مما يرويه أصحاب تلك التجارب، أصبحت أفهم بصورة مختلفة لماذا كان النبي ﷺ يكثر من الاستعاذة من فتنة الممات. فلعل أخطر امتحان في حياة الإنسان ليس ذلك الذي يمر به في شبابه أو كهولته، وإنما الامتحان الذي يسبق انتقاله إلى ربه بلحظات.
نسأل الله أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن يحسن ختامنا، وأن يجعل آخر كلامنا من الدنيا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله.


تحفة فنية تستحق أن يبصرها كل من هو هنا، عرفتيني بجانب ولا مرة فكرت فيه بذلك العمق، كان في الكلام انسيابية و منطقية تعجبزية الصراحة جعلتني اربط ما كان بالفعل مبهما عندي من جهة و ما كنت اراه عاديا من جهة اخرى ولم افقه يوما.. ما يميزك انه رغم صغر سنك الا انك تملكين جانب تساؤلني لاتفيدين نفسك به فقط و انما تفيديننا لاكون ممتنة انني قرأت مقالا كهذا
عندما قرأتُ هذا “ وما الرسالة التي يمكن أن تكون أخطر على المؤمن من أن يُقال له وهو في أضعف حالاته: إن العقيدة لا تهم، وإن التوحيد ليس شرطًا، و إن جميع الطرق تؤدي إلى الله؟” عقلي ربط الامر فورا بشيء اخر ، وهو التساؤل عن: لماذا الله خلقنا نعبد وهو لا يحتاج عبادتنا ؟ اصدق القول ان شخصاً تربطني به علاقه كان السؤال هذا يدور في ذهنه وهو من اجاب عليه بزاويه لم اراها من قبل وانا ليس لدي اي يد في البحث وانما اشاركها فقط.
في قوله تعالى " وما خلقت الأنس والجن إلا ليعبدون "
كلمه ليعبدون ، كثير منا يجهل معناها الحقيقي في القاموس وهي " ليعرفون" والمقصد هنا لمعرفة الله فكيف تعبد شيء انت لا تعرفه ؟ والمعرفه هنا ليست احتياج بل حق واستحقاق إلاهي، هو يستحق ان يذكر وان يعرف فهذه شهاده على حقيقه عظمته سبحانه وتعالى . وهو لا يحتاج ؛لان إنكارنا او إعترافنا لن يغير حقيقه انه الاله . المهم نعود لموضوعنا والرابط الذي احاول الاشاره له
فما هي الاخلاق اذا تم انكار وحدانيه الخالق والاعتراف به؟
ما هو الاسلام؟ موجود في احد الذكر " اشهد ان لا إله الا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ". فمساله الاخلاق فقط هذه فجوه كبيره في المنطق .