— قلتِ لي يومًا إن الله لا يزرع في قلب عبدٍ شوقًا إلى شيءٍ إلا وفيه حكمة.
— نعم... قلت.
— فكيف أُفسِّر إذن كل هذه الأحلام؟
لماذا تأتي أحيانًا في هيئة يقين، حتى أكاد ألمسها بيدي، ثم تستحيل في اليوم التالي إلى سراب، فأرتاب في نفسي قبل أن أرتاب فيها؟
...
— ما لكِ صامتة؟
— لأن بعض الأسئلة لا ينقصها جواب... بل ينقصها وقت.
— لكنني تعبت من الانتظار.
— أعلم.
— أهذا كل ما عندك؟
— أحيانًا تكون كلمة "أعلم" أصدق من ألف نصيحة.
...
— أظن أن المشكلة فيَّ.
— ولماذا؟
— لأنني كلما كبرت، شعرت أنني أقلُّ انتماءً إلى هذا العالم.
كأن الجميع وجد مكانه... إلا أنا.
— وهل عدم العثور على المكان يعني أنه غير موجود؟
— لا أدري...
لكن كثرة الطرق التي لا تقود إلى شيء، تجعل المرء يشك في وجود الطريق أصلًا.
...
— لقد تغيَّرتِ كثيرًا.
— أعرف.
— لم تعودي تتحدثين كما كنتِ.
— لم يعد للكلام وجهة.
— كنتِ كثيرة الثرثرة
— مع من أحب... فقط.
— والآن؟
— الآن، لم يعد في حياتي من أطمئن إليه بما يكفي لأقول له أكثر مما ينبغي.
...
— وأين تذهب كل هذه الكلمات؟
— تبقى داخلي.
— ألا تؤلمك؟
— بلى،
الكلمات التي لا تُقال لا تموت...
إنها تثقل القلب، ثم تتعلم كيف تعيش فيه.
...
— وهل اعتدتِ الوحدة؟
— لا.
لكن الإنسان يعتاد ما يعجز عن تغييره.
— إذن أنتِ وحيدة؟
— ليس تمامًا...
أنا برفقتك منذ مدة
اختلفنا كثيرًا...
وتصالحنا قليلًا...
لكنك الوحيدة التي لم تغادر.
...
— وهل يكفي الإنسان نفسه؟
— لا.
— فلماذا تتظاهرين بالقوة؟
— لأن التعب الذي لا يستطيع أحدٌ حمله عنك، لا يبقى أمامك إلا أن تحمله بنفسك.
...
— وما الذي تخشينه حقًا؟
— أن أصل يومًا إلى السلام...
لا لأنني وجدت ما أبحث عنه،
بل لأنني تعبت من البحث.
...
— وبعد كل هذا...
أما زلتِ تؤمنين أن الله لا يجعلنا نحلم بشيءٍ ليس لنا؟
...
— نعم.
— وكيف يجتمع هذا اليقين بكل هذا الخوف؟
— لأن الإيمان لا يُلغي الخوف...
بل يجعلنا نحمله ونحن نُحسن الظن بالله.
...
— وما الذي بقي لكِ الآن؟
— الدعاء...
وبعض الصبر...
وهذه الأحاديث الطويلة التي بيننا..
وربِّي.


جميلة هِيَّ أحاديثُكِ، سَلمتِ !🤍