Discussion about this post

User's avatar
موجة's avatar

‫شكرًا لكِ وَجْد على هذا العرض الجميل، ولأنّكِ — على ما يبدو — طالبة طبٍّ، فلعلّي أُهدي إليكِ والقارئَ المهتمّ إشارةً إلى عملٍ آخر أحسبه أعظمُ فلسفيًا من «حيّ بن يقظان» بمراحل، هو «الرسالة الكاملية» لابن النفيس. ولا أحسبُ الكاتبَ يحتاج تعريفًا، خصوصًا لطلبة الطب، فهو مُكتشفُ الدورة الدموية الصغرى، لكن قلّ من يلتفت إلى أنّه صاغ أيضًا روايةً فلسفيةً يعارض بها ابنَ طفيل، فبطلها «كامل» يَخرج من كهفٍ في جزيرةٍ كحيٍّ، ثمّ استنبطَ بعقله المجرّد، إلى جانبِ إثبات الصانع، «ضرورةَ» النبوّة والشريعة وتفاصيلَ المعاد وأحوالَ الأمم! وهذا في تقديري الفلسفي المتواضع انتصارٌ عقليٌّ على فرضية ابن طفيل التي واجهتُ معها عدة إشكالات، أطرحها أدناه. فابن طفيل اشتهر فيلسوفًا وإن كان طبيبًا حاذقًا، وابن النفيس طبّقت شهرتُه الطبيةُ الآفاقَ حتى نَسي الناسُ (أو لم يعلموا أصلًا!) أنّه خاض في الكلام والفلسفة والأصول، والقسمة ضيزى!‬

‫بالعودِ لما ذكرتهُ من إشكالاتٍ مع «حيّ بن يقظان»، أولها هذا الادّعاء: أنّ العقل المعزول يَبلغ — منفردًا، من حِسّه ومُشاهداته — أسرارَ التشريح ووظيفةَ البطين الأيسر و«الروح الحيوانيّ» وحركاتِ الأفلاك ونظامَ الكون وواجبَ الوجود وصفاتِه السلبية والثبوتية، ثمّ يَنتهي إلى مقامات الفناء الصوفيّ! أذكرُ أنّي كتبتُ على هامش الكتاب: تخييلٌ فلسفيٌّ عَزَب عنه شرطُ الإمكان 😅 ذاك أنَّ الطفل المعزول في جزيرة، حتى لو سلّمنا له بذكاءٍ خرافيّ، من أين له بمصطلح «البطين»، و«الشغاف»، و«الحجاب الحاجز»؟ هذه ألفاظٌ تراكمت عليها قرونٌ من الجالينوسية والإسكندرانية، ويُسقطها ابنُ طفيل على حيٍّ، فيَجعل الرجل كأنّه قرأ «القانون» لابن سينا قبل أن يَخرج من بطن الظبية! ومثلُه قُل في الفلك، فمن أنبأه أنّ الحركات «دائرية منتظمة لا تضطرب»؟‬

‫ثمّ هذا الغرور المعرفيّ الظَّاهرُ في الرواية (وهو غرور الفلاسفة المشّائين عمومًا، فلا يُلامُ عليه ابن طفيل وحده): «نحن نَبلغ الحقائق المجرّدة بالعقل الصِّرف، والعامّة لا تَطيق إلّا القشور والأمثال». أليس في هذا تعالٍ نُخبويّ صريح؟ وهل يَستقيم في ميزان العقل أن يُجعل «الفناء الصوفيّ» في مغارة معيارَ الكمال الإنسانيّ، وتُنزَّل الشريعةُ المُحْكَمة منزلة المُسَكِّن للعوامّ؟ هذه، في الحقيقة، فلسفةٌ باطنيّةٌ مُتسرْبلة بلباس البرهان، وللغزاليّ معها صولاتٌ وجولات (يُنظر: «التهافت») كذلكَ ردّ عليه ابنُ النفيس في رسالته المذكورة.‬

‫والمفارقة فوق كل هذا أنَّ ابن طفيل نفسُه ما عاش يومًا في كهف ولا عزلةٍ فنائية! فالرجلُ كان طبيبَ الموحّدين الخاصّ، ووزيرَ أبي يعقوب يوسف، ومن أعيان البلاط المرابطيّ ثمّ الموحّديّ، فهو ينعم بالجاه والمائدة العامرة، وهو يستقدمُ ابنَ رشد ويُقدّمه للخليفة. فأين هذا من الزهد الدراميّ الذي رَسَمه لحيّ في مغارته يَدور حولها كالكواكب ويَقتات بالثمار الساقطة حتى لا يُؤذي «نبتًا حيًّا»؟ ولستُ أُنكر على الرجل ترفَه (والفيلسوف، بلِ الكاتبُ عمومًا، ليس مُلْزَمًا بأن يُجسِّد كلَّ ما يَكتب)، إنّما أُنبِّه إلى أنّ هذا النمط من العزلة المُطلقة ترفٌ تخييليٌّ لطيفٌ في الخيال، وفي الواقع البشريّ مُحال. فالإنسان ابنُ لغته وابنُ مجتمعه وابنُ تراثه المعرفيّ المتراكم، ومن رام أن يَستأنف الحقيقة من الصفر فقد رام ما يأباه تكوينُه ذاتُه.‬

‫ثُمَّ كيف وَصل حيٌّ — بعقله المجرّد وحده — إلى أنّ الخالق «واجب الوجود بذاته، منزّه عن المادة، ليس له جسم ولا شكل»؟هل العقلُ المعزولُ تمامًا (هذا الفرضُ الذي بنيت عليه الروايةُ كاملةً) ممكنٌ أصلًا؟ إنّ «حيًّا» يُفكّر بلغةٍ، ويَستنبط بمقولاتٍ، ويَقيس بمنطقٍ، وكلُّ هذا إرثٌ اجتماعيٌّ تاريخيٌّ يَستحيل أن يَنبت في جزيرةٍ معزولة. فالتجربةُ الذهنيةُ التي أراد بها ابنُ طفيل تخليصَ العقل من أوضار المجتمع، هي ذاتُها مشحونةٌ بكلّ ما حصّله العقلُ من ذلك المجتمع الذي زعم الانفكاكَ عنه. وهذا، في تقديري، مَكمنُ ضعفٍ فلسفي عميق. ‬

‫أزيدُ أنَّ العقلُ الفطريّ المعزول، كما تَشهد الأنثروبولوجيا الدينيّة، يَنزع غالبًا إلى التشخيص والتجسيم وعبادة المظاهر (النار، الشمس، الكواكب)، ولا يَقفز قفزةً واحدةً إلى تنزيهٍ إسلاميٍّ مُحْكَم! فحيٌّ في الحقيقة، هو ابن طفيل نفسُه مُسقَطًا على جزيرة، يَتكلّم بلسانه ويَستنتج استنتاجاته (المشائيّة، طبعًا) ويَنتهي إلى عقيدته هو.‬

‫ومع ذلك فلا نبخس الرجل حقه، والرواية كما تفضَّلت تُحفةً أدبيّةً وتجربةً ذهنيّةً (Thought Experiment) وإن كانت قيمتُها، بنظري، في كونها تَطرح السؤال، أمّا في كونها تُجيب عنه إجابةً مُقنِعة فذاك ما أتحفّظ عليه.‬

‫وأعيد شكري لكِ على المقال، وأعتذرُ عن الإطالةِ.‬

سامي شو's avatar

لعل أعظم ما في حي بن يقظان أنه لا يقدّم العزلة بوصفها هروبًا من الناس، بل بوصفها فرصة نادرة للإنسان كي يلتقي بنفسه بعيدا عن الضجيج والتلقين والعادات الموروثة. فحي لم يصل إلى الحقيقة لأنه امتلك معلما أو كتاباً، بل لأنه امتلك شجاعة السؤال، وصبراً طويلاً على التأمل فيما يراه حوله، تجعلنا الرواية نتساءل كم من أفكارنا هي حقا أفكارنا، وكم منها مجرد صدى لما ورثناه من المجتمع؟ وربما لهذا بقيت هذه القصة حية بعد قرون طويلة؛ لأنها تذكّرنا بأن المعرفة الحقيقية تبدأ عندما يتوقف الإنسان عن ترديد الأجوبة الجاهزة ويجرؤ على مواجهة أسئلته الكبرى بنفسه. وفي عالم يزداد صخبا يوما بعد يوم، تبدو رسالة ابن طفيل أكثر راهنية من أي وقت مضى: ليس كل من ابتعد عن الناس هارباً، فبعض العزلات تكون رحلة عميقة للعودة إلى الفطرة، وإلى الله، وإلى الحقيقة.

3 more comments...

No posts

Ready for more?