وسط محاضرات الطب المليئة بالمصطلحات الصارمة والكلمات الفرنسية غيرالمفهومة ، يحدث أحيانًا شيء غريب.
كلمة صغيرة تمر في الشرح، تبدو في البداية كأي مصطلح علمي عابر، ثم تظل عالقة في الذهن.
هكذا حدث معي مع اسم هرمون تكرر في أكثر من موضع داخل محاضرات وحدة الجهاز الغدي:
Oxytocin.
لم يكن محور الدرس تحديدًا، بل يظهر أحيانًا في سطر عابر، وأحيانًا في فقرة أطول. وربما توجد محاضرة كاملة مخصصة له، كما توجد محاضرات كاملة لهرمون Vasopressin. لا أعلم بعد. فما زلت في بداية هذه الدروس، ولم أتقدم كثيرًا في المحاضرات.
لكن وسط اللغة العلمية الجافة، كان هناك وصف يتكرر كلما ذُكر هذا الهرمون تقريبًا:
“هرمون الحب”.
من الناحية العلمية، الأوكسيتوسين ليس أكثر من هرمون ببتيدي صغير. يُصنَّع في الوطاء (Hypothalamus)، ثم يُنقَل عبر المحاور العصبية ليُخزَّن ويُفرَز من الفص الخلفي للغدة النخامية (Neurohypophyse) إلى مجرى الدم.
في المحاضرات، تبدو وظائفه واضحة وبسيطة:
تحفيز تقلصات الرحم أثناء الولادة، والمساهمة في قذف الحليب أثناء الإرضاع.
هذه هي النسخة الأكاديمية المختصرة من القصة.
لكن فضولي منعني من ان اقف عند هذا الجزء من الحكاية. لذلك وجدت نفسي أبحث قليلًا خارج المحاضرة. قرأت بعض الأبحاث القديمة والحديثة، وتتبعت ما كُتب عن هذا الهرمون.
وهنا بدأت القصة تصبح أكثر إثارة.
لأن الأوكسيتوسين لا يبدو مجرد هرمون ولادة وإرضاع.
بل جزيء صغير متورط في واحدة من أعقد الظواهر الإنسانية:
الثقة.
حين يصبح الخوف مجرد كيمياء
في أوائل الألفينات، أجرى علماء الأعصاب تجربة أصبحت لاحقًا من أشهر تجارب علم النفس الاقتصادي. تُعرف باسم “لعبة الثقة”.
الفكرة بسيطة: يحصل المشاركون على مبلغ من المال، ويُطلب منهم استثماره مع شخص غريب تمامًا. يمكنهم الاحتفاظ بالمال لأنفسهم، أو إعطاؤه لذلك الغريب على أمل أن يعيده مع ربح.
قبل بدء التجربة، استنشقت مجموعة من المشاركين بخاخًا أنفيًا يحتوي على الأوكسيتوسين، بينما تلقت مجموعة أخرى بخاخًا وهميًا لا يحتوي على أي مادة فعالة (placebo).
في بعض الدراسات، أظهرت النتائج أن الأشخاص الذين تلقوا الأوكسيتوسين كانوا أكثر استعدادًا للمخاطرة بالمال والثقة بالغرباء.
ما الذي يحدث في الدماغ في مثل هذه الحالة؟
تشير الأبحاث إلى أن الأوكسيتوسين يمكن أن يؤثر في نشاط منطقة دماغية تُسمى اللوزة الدماغية (Amygdala) — وهي منطقة تلعب دورًا مهمًا في معالجة الخوف وتقييم التهديدات الاجتماعية.
عندما تكون هذه المنطقة شديدة النشاط، يصبح الدماغ أكثر حذرًا:
هذا الشخص غريب. قد يخدعك. ربما يجب أن تبقى متيقظًا.
لكن عندما يتدخل الأوكسيتوسين، قد تنخفض استجابة الخوف قليلًا.
ليس لأن العالم أصبح فجأة أكثر أمانًا…
بل لأن الدماغ أصبح يشعر بأنه أقل تهديدًا.
وفي تلك المساحة الصغيرة بين الحذر والاطمئنان، تولد الثقة.
""الحب من أول نظرة"… ربما ليس مجازًا بالكامل
نحن نميل إلى وصف الانجذاب الأول بعبارات شعرية:
كيمياء خاصة، شرارة، أو إحساس غريب بالألفة منذ اللحظة الأولى.
المفارقة أن كلمة الكيمياء هنا ليست بعيدة عن الحقيقة.
التفاعلات الاجتماعية البسيطة مثل العناق، أو التواصل البصري، أو حتى لحظة الشعور بالأمان مع شخص ما يمكن أن تحفّز إفراز الأوكسيتوسين. هذا الهرمون بدوره يعزز الروابط الاجتماعية ويقوي الإحساس بالألفة والانتماء.
تشير بعض الدراسات أيضًا إلى أنه قد يخفف نشاط بعض مناطق الدماغ المرتبطة بالتقييم النقدي الصارم. وربما يفسر ذلك لماذا نميل في بدايات العلاقات إلى رؤية الآخر بنسخة مثالية قليلًا.
ليس لأننا فقدنا قدرتنا على التفكير.
بل لأن الدماغ، لوهلة قصيرة، يقرر أن يكون أقل قسوة في الحكم.
هل يمكن شراء الثقة من الصيدلية؟
هذا السؤال خطر لي وأنا أقرأ.
إذا كان جزيء صغير قادرًا على التأثير في الثقة والارتباط الاجتماعي، فهل يمكن نظريًا تعديل سلوك البشر ببساطة عبر دواء؟
الواقع أن الأوكسيتوسين يُستخدم بالفعل في الطب منذ عقود، لكن في سياق مختلف تمامًا.
فهو يُستعمل في غرف الولادة بأسماء تجارية مثل Syntocinon أو Pitocin لتحفيز تقلصات الرحم.
أما استخدامه كوسيلة للتأثير في السلوك الاجتماعي فما يزال مجالًا بحثيًا حذرًا. هناك دراسات تستكشف إمكانية استخدامه في بعض الحالات مثل اضطرابات طيف التوحد أو القلق الاجتماعي، لكن النتائج ما تزال غير حاسمة.
فالمشاعر الإنسانية ليست زرًا كيميائيًا يمكن تشغيله وإطفاؤه.
إنها شبكة معقدة من الهرمونات والدوائر العصبية والذكريات والتجارب الشخصية.
الأوكسيتوسين قد يكون أحد العازفين في هذه السيمفونية…
لكنه بالتأكيد ليس الأوركسترا كاملة.
ما الذي تعلمنا إياه الجزيئات الصغيرة؟
أحيانًا، وسط المصطلحات العلمية الفرنسية والآليات الفيزيولوجية، ننسى أن ما ندرسه في الطب ليس مجرد أعضاء وأنسجة.
بل تجربة إنسانية كاملة.
الأوكسيتوسين هذا الببتيد الصغير الذي نحفظ مساره في المحاضرات يذكّرنا بشيء بسيط وغريب في آن واحد:
أن بعض أكثر المشاعر الإنسانية دفئًا، مثل الثقة والألفة والارتباط، قد يكون لها أساس كيميائي دقيق داخل الدماغ.
لكن هذا لا يجعلها أقل إنسانية.
ربما العكس تمامًا.
ربما يعني فقط أن الطبيعة اختارت، بطريقة ما، أن تكتب قصة المشاعر البشرية…
بلغة الجزيئات.



ربما يعني فقط أن الطبيعة اختارت، بطريقة ما، أن تكتب قصة المشاعر البشرية…
بلغة الجزيئات.
لماذا نسبتي كل هذا للطبيعة المخلوقة بدلا من الخالق المبدع والمعجز!
يجب أن تعلمنا الفسيولوجيا والأنوتومي وثم الباثوفيسيولوجي أن نقول سبحان الله العظيم بقلب موقن وتعلمنا الإعتراف بإعجاز الله وأنه من السخف أن ينسب شيء في الكون للطبيعة ولو سهوا! احذري الله يرضى عليك
رغم معرفتي للأكسيتوسين لكن أسلوبك الكتابي الجميل شدني لقراءة المقال كاملا وبالتأكيد يمكنك تعديل السطر الأخير ليناسب حقيقة أن هذا كله من الله لا من الطبيعة♥
مقال رائع ومتميز✨